من أين أتت " تعبير"؟

من بيت العائلة إلى بيت النص: أربع صور من سيرة وصيرورة

عندما نصغي إلى صوتنا الداخلي ونتبعه، نستطيع أن نمضي في طريقنا الخاص.”

إيليتشي لي

 

(1) صورتان تأسيسيتان: أبي يكتب… أمي تقرأ

أ– أبي يكتب

في الثامن والعشرين من حزيران عام 1967، كتب أبي رسالةً إلى أخي. لم يكن يدري، وهو يدوّن وقائع يومٍ من أيام الحرب، أنّه يكتب أيضًا جزءًا من أرشيف حياتنا، ومن ذاكرة بيتٍ سيتحوّل لاحقًا إلى بيت للنص.

يقول في رسالته:

“… نزلتُ يوم الاثنين الموافق 5/6/1967 من رام الله إلى نابلس، وهناك، لما سمعتُ بالحرب، رجعتُ إلى رام الله في اليوم نفسه. وفي اليوم التالي، الثلاثاء، حوالي الساعة السابعة صباحًا، بينما كنتُ جالسًا أكتب على الأريكة في الغرفة التي تنام فيها، سمعتُ إطلاق رصاص آتٍ من الشرق من أربع طائرات، كما قيل لي لاحقًا، وقنابل تتساقط من جميع الجهات…”

(من أرشيف أبي)

ويمضي في وصف القصف، والزجاج المتناثر، والنيران التي اشتعلت في الشقق، والنجاة التي بدت آنذاك أقرب إلى المصادفة منها إلى اليقين.

 

لم يكن أبي يكتب ليؤدّب اللغة، بل،ربما، ليحمي المعنى من الضياع. ربما كانت الكتابة عنده فعل تثبيت: مقاومة صامتة للنسيان، أو محاولة لترتيب الفوضى الخارجية عبر سطور مستقيمة بقدر ما تسمح به يدٌ مرتجفة. كل ذلك في (ربما)

ب– أمي تقرأ

في ذلك اليوم، ولمدة ثلاثة أيام، أجبرنا أبي على البقاء بثيابنا كاملة، بما في ذلك أحذيتنا. لم نفهم، نحن الأطفال الثلاثة (سبع، خمس، ثلاث سنوات)، معنى هذا الاحتياط الدائم.

كنا ألوذ جميعًا، مع أمّ حامل في شهرها التاسع، في نهاية ممر ضيق يفضي إلى المطبخ والمرحاض، كأنّ “هناك” هو المكان الأكثر أمانًا في البيت.

في ذلك المشهد المتوتر، وبين سكون وآخر كان أبي يتسلل إلى الصالون، يحلس على طاولة السفرة، يقلب أوراقا، يعيد ترتيبها، يكتب حيثما وجد هامشا على قصاصة جريدة.  يعود إلى الممر، يحوّل تنكة زيت فارغة إلى فرن صغير على بابور الكاز، يتسلل ثانية إلى حجرة النوم؛ يسحب بطيخة من بين عشرات. أمي تعجن، تخبز، اقطع البطيخة والجبنة البيضاء. الطائرات تقصف، صوت قذيفة مدفعية. صوت انفجار في الطابق العلوي. يهتز البيت، نرتجف. يهدأ كل شيء عند المساء، أمي تقرأ. تقرأ السباعي، عبد الحليم عبد الله، وكانت متعلقة كثيرا بنجيب محفوظ، فلا تكاد تترك رواياته، يومها لم يلفتني سوى عنوان: “اللص والكلاب”.

كانت القراءة في ذلك السياق فعل نجاة موازٍ. بينما يحاول أبي إنقاذ اليوم بالكتابة، كانت أمي تنقذ الروح بالقراءة. أكلنا خلال أربعة أيام خبزًا ساخنًا، كسرة جبن، وشرائح بطيخ نحيلة 

(من الذاكرة).

لم أحمل من تلك الأيام سوى صورتين فقط: أبي يكتب وأمي تقرأ، بل حملت نمطين من العلاقة مع العالم، وطوال حياتهما بقي أبي يدوّن، وأمي تقرأ، كلاهما اختار لغته الخاصة.

(2) أمي تنصت لقصائدي… وأبي يحفظها في الأرشيف

لم أستطع رسم خط سببي مباشر بين تلك الصور الأولى واهتمامي بالقراءة والكتابة، لكن أثرها كان عميقًا في فهمي للتعبير كفعل شخصي وحميم.

كان أبي منشغلاً بالتوثيق إلى حدّ الهوس. لم يترك قصيدة نشرتها في صحيفة محلية إلا قصّها، دوّن تاريخها، وحفظها في ملف يحمل اسمي.

كان لكل شيء في حياته ملفا خاصا به؛ الوظائف، الأراضي، الرسائل، الممتلكات. وكان لكل فرد من أفراد العائلة ملفه الخاص.

أما أمي، فكانت أول من يستمع إلى قصيدة جديدة لي. كانت نظرتها كافية، إما أن تقول: أرسلها للنشر، أو: ارسلها للسلة. 

بين الإصغاء الصامت والحفظ الصبور، تشكّل وعيي بالتعبير لا كمهارة مدرسية، بل كعلاقة.

 

(3) “شرق المتوسط”: من خيمة المعتقل إلى حجرة الصف

حين أصبحت معلمًا للغة العربية في مدارس الفرندز، غامرت باختيار رواية عبد الرحمن منيف "شرقالمتوسط" لطلبة الصف الثامن.

لم يكن الاختيار أكاديميًا خالصًا. ففي الانتفاضة الأولى، كنت معتقلًا إداريًا في سجن النقب. وحين سُمح للصليب الأحمر بإدخال 150 كتابًا إلى القسم، اختارني الأسرى في القسم أمينًا للمكتبة. هناك، في خيمة من قماش، وبينما كنت أدون عناوين الكتب تمهيدا لإعارتها وقعت عيني لأول مرة على الرواية

بدأت تصفحها كما أفعل مع كل كتاب… ولم أتوقف حتى أنهيتها مساءً. في اليوم التالي، كان أربعة وخمسون 54 أسيرًا قد سجّلوا أسماءهم لقراءتها. 

حملتها معي من هناك، من المعتقل. 

في الصف، قرأنا الرواية، ناقشناها، تخيّلناها، وكتبنا على هامشها. وعند مناقشة المونولوج الداخلي، ولا سيما مناجاة “رجب” للسفينة “أشيلوس”، نهضت إحدى الطالبات وقالت: 

“كلٌّ منا لديه أشيلوس الخاصة به.”

اشتعل النقاش، واقترح الطلاب كتابة مناجاة لأشيلوسهم الشخصية، كتبوا، حرّروا، صمّموا، وأنتجوا مجلة “كلمات”، طبعوا منها ألف نسخة ووزّعوها على الأهل والمجتمع.

هنا، لم تعد القراءة تلقيًا، بل صارت عبورًا.

 

(4) من “أشيلوس” إلى “كلمات”


فتحت تجربة “كلمات” باب تأليف وحدات تعبير تفاعلية، تستلهم الأدب والفنون البصرية والأدائية بوصفها محفزات للكتابة.

انطلقت من فكرة الهجرة/اللجوء:

• نص أدبي: شرق المتوسط

• مشروع بصري: بحر بلا شطآن – تيسير بركات

• صور فوتوغرافية للاجئين عبر أزمنة وأمكنة

في هذه الوحدات، يختار المتعلّم شخصية، يرى العالم من منظورها، ويكتب مونولوجًا داخليًا يبث فيه صوته الخاص.

ومن هنا وُلدت وحدة:

في القوارب… في عرض البحر، لنا أصوات 

وما زالت هذه الوحدة وغيرها تجد مكانها اليوم في منصة “تعبير” (www.tabeer.ps).

 

تأمل ختامي: التعبير كمسار حياة

 

الصور الأربع – من بيت العائلة إلى الصف، ومن السجن إلى منصة “تعبير” – تمثل رحلة مستمرة للتعبير: علاقة حية بين الإنسان والكلمة، والفعل والذاكرة، والتجربة والآخر.

التعبير ليس مجرد مهارة، بل مسار حياة يمتد عبر الزمن، يربط بين الذات والعالم، بين الحرية والمسؤولية، بين الفكر والممارسة. هو رحلة للتعلم، للإبداع، للمساءلة، ولتكوين الوعي، رحلة تجعل من كل نص، ومن كل تجربة، فرصة لاكتشاف الذات والآخر وبناء مجتمع قادر على التعبير، المشاركة، والتغيير.

***

«تعبير»

منصة «تعبير» توفر فضاء آمنا وغنيا للأطفال واليافعين والعاملين معهم، يتيح تعزيز القدرة على التعبير الإنساني الحر والحوار الخلاق. تتطلع إلى تجربة داعمة ومبدعة تسمح بالتعبير عن الأفكار والمشاعر في السياقات الإبداعية والأكاديمية والعملية، وتمكّن الآخرين من التفاعل معها بعمق.

التعبير هو فعل وجودي: تفكير وهوية، رؤية وحياة. يبدأ بالحركة، بالرمز، بالصورة، بالكلمة، ويتطور مع نمونا الشخصي والاجتماعي، ليصبح مسار حياة متواصل يربط بين الذات والعالم، بين الخبرة الفردية والتجربة المشتركة.

***