يُعد مفهوم الخبرة لدى ديوي (Dewey) أساساً واعداً للتأمّل التربويّ. تُدرس إمكانيات [أو: مكنونات] مفهوم الخبرة ومحدّداته من خلال كتاب "الفنُّ خبرةً – Art as Experience"، باعتباره نقطة انطلاق. ففي الخطوة الأولى، ستتمّ دراسة المفهوم على المستوى الأنثروبولوجي كمحاولة لفهم العلاقة بين الشخص وعالمه. وفي الخطوة الثانية، ستتم مناقشة المفهوم على أساس التمييز بين "الجودة الجمالية - aesthetic quality" للتجربة و"الخبرة الجمالية - aesthetic experience". والخطوة الثالثة والأخيرة ستتمثل في معاينة الخلاصات التربويّة للفوارق التي طرحها ديوي بين البيان والتعبير. إن تحليل "الفنُّ خبرةً" يُظهر أنّ مفهوم الخبرة قد يوائم نظرية التعليم بشكلٍ محدود؛ ويحتاج إلى مراجعة كي يكون قادراً على العمل وفق أسس نظريّة.

تهدف هذه المقالة إلى مناقشة مدى فائدة مفهوم الخبرة ضمن نظرية التعليم. وقد تكون الإشارة إلى بعض المراجع مفيدةً في هذا السياق. أحدها هو انتقاد حنة آرندت (Hannah Arendt) الحاد للتعليم التقدميّ (1961)، حيث تقدّم ثلاثة افتراضاتٍ أساسية حول أسباب تخلّف التعليم الأمريكي في نظرها؛ ثالثُ تلك الافتراضات هو "أنّه يمكنك فقط معرفة وفهم ما فعلته أنت بنفسك" (1961، 182). يتوافق هذا الافتراض من وجهة نظر آرندت مع تقليل قيمة الموضوع ليصبح مفهوماً رسميّاً للتدريس والتعلم، أو كما أشار ولفغانغ كلافكي (Wolfgang Klafki، 1964) إلى خفض قيمة التعلّم ليتمثل في أساليب تدريس وتعلّم مهاراتٍ شكليّة (التعلّم من أجل التعلّم؛ عمل المشاريع؛ التجربة). وشكليّة أخرى متمثلة في مهارات (التفكير الناقد والمهارات اللغويّة). باختصار، استبدل التعليم التقدمي التعلّمَ بالنشاطات.

يُعدّ المرجعُ الثاني أحدث، وقدّمه غيرت بييستا (Gert Biesta) تحت عنوان "ضدّ التعلّم". يطرح المؤلف بييستا تقليداً أكثر براغماتية وينتقد أحادية إدارة المعرفة الحديثة التي تصوّر التلاميذ على أنّهم مستهلكون للمعرفة، ويجادل في إعادة تقييم التدريس. بمقارنة كتاب جون ديوي "الفنُّ خبرة، 1934" مع كتابه "الخبرة والتعليم - Experience and Education، 1938"، يجدُ القارئ نفسه في حيرة بسبب الفارق الواضح بين مفهومَي الخبرة اللذين يظهران في العملين.

أجدُ قراءتي مربكة لعدة أسباب، منها ما يتعلّق بمسائل منطقيّة، وأخرى بالعواقب التي تواجه التعليم. منطقيّاً؛ من الصعب أن نفترض وجود صراع، نظراً للقرب الزمني للعملين، واعتبارهما نتيجة للتطوّر النظري الدائم؛ نجد ملخّص هذا الطرح ومنهجيته في كتاب "Experience and Nature"، 1925.

من غير المعقول أن يكون المؤلف قد قام بمراجعة المفهوم الذي طرحه؛ وحتى إن قام بذلك بالفعل، فإنّه كان ليجعل مراجعته الذاتيّة صريحةً ويطرحها كنقطة نقاش. إن الشكوك التي تراودني حول المادة التي أقوم بقراءتها تزداد عمقاً حين لا أكاد أجد أي ذكر أو تعليق أو ملاحظة من قبل باحثين آخرين حول ما يبدو لي تناقضاً ذاتياً واضحاً. ولو وُجدت تناقضات بين هذين العملين حقيقةً، لقام آخرون كثر بالتعليق عليها أو محاولة فهمها.

إنّ للمخاوف المنطقيّة بعض الأهميّة، إذا أخذنا بعين الاعتبار الدور المحوري المنهجي لمفهوم الخبرة الذي يلعب دوراً رئيسياً في كلا العملين، وفي عمل ديوي على وجه العموم. ففي "الفنّ خبرة"، يلخص المؤلف دراسته بالقول: "من أجل الوصول إلى الخبرة الجماليّة، على الفيلسوف أن يسعى لفهم ماهيّة الخبرة" (LW 10، 278). ففي الدراسة حول الفنون الجميلة، ووفقاً لديوي، تظهر ملامح الخبرة بطريقة نموذجية؛ إذ يدعو الكاتب الخبرة الجمالية "بالنقيّة"؛ لأن هذا المصطلح لم يُسأْ استخدامه في السابق.

يستند حكم ديوي إلى قناعته -وعلى النقيض من الحياة اليومية- بأنّ الخبرة الجمالية لا تعيقها مشتتات وعناصر خارجية، ولا تتأثر بالمشتتات التي يسببها نقص التركيز الداخلي ومعيقات التواصل. يتفق ذلك مع ملاحظة فيليب جاكسون (1998) عندما لاحظ في دراسات ديوي حول الفنون الجميلة، أنّ ديوي أوجد "مصدراً" للعديد من المفاهيم الأساسية حول الخبرة.

وبالقدر نفسه من الأهمية، يأتي تناوله لمفهوم الخبرة في عمله "الخبرة والتعليم"، والذي كان من الممكن أن يحمل عنوان "التعليم كخبرة"؛ إذ فيه يتم نقاش التعليم التقليدي والتقدميّ جنباً إلى جنب. يصرّح ديوي بأنه لا بديل عن الخبرة في التعليم، وأنه يجب بناء التعليم على نظرية للخبرة سيتمّ تطويرها. إن مشكلة التعليم التقليدي بالنسبة لديوي ليست كونه لا يقدّم الخبرات فحسب، بل كون هذه الخبرات تدمر شهيّة التلاميذ للانطلاق نحو العالم وتحول دون تحقيق أهدافهم وتوجهاتهم. وبصيغة أخرى، إن التعليم التقليدي هو تعليم غير تربوي، بل هو عائق وغير مشجع، ويعيق الخبرة المستقبلية ويضيّقها. إن التحدي الرئيسي الذي تواجهه المدرسة هو الإصرار على تقديم خبرة تعليمية تؤدي إلى التطور وتفتح الآفاق بين التلاميذ والعالم وتوسع دائرة الخبرات المستقبلية. وبالتالي، إذا كانت هناك تناقضات فعليّة بين العملين، فستكون هذه مسألة جدية.

إضافة إلى هذه المشاكل المنطقيّة، هناك أيضاً مخاوف تربويّة. أحدها أن عمل ديوي الوحيد حول التعليم الذي يحمل مصطلح الخبرة في عنوانه لا يذكر فيه البعد الجمالي للخبرة؛ وعلاوة على ذلك، فإن المحتوى -في رأيي- يفتقر أيضاً وبشكل واضح إلى أفكار مستمدة من دراسات الفنون الجميلة. بالنسبة للمعلمين المهتمين بالجمالية، هناك شكوك متكررة فيما إذا كان ديوي قد وجد اختلافاً ما بين الخبرة الجمالية والخبرة التعليمية، لدرجة عدم إيجاد أي ارتباط بينهما تقريباً، وأنّ المفاهيم الرئيسية في "الفن خبرة" يمكن ويجب تجاهلها فيما يتعلق بالتعليم. ومن جهة أخرى، إنّ الفروقات بين الجمالية والخبرة التعليمية ليست جذريّة، إذ يتضمّن "الفن الخبرة" جدالاً قوياً حول الجودة الجمالية كبُعد متضمّن في الخبرة.

ملاحظات منهجيّة:
قبل أن أقوم بهذه الدراسة، أود أن أبدي بعض الملاحظات حول حال "الفنُّ خبرة" و"الخبرة والتعليم" في أعمال ديوي. في أوائل عام 1930، تلقّى جون ديوي استفساراً من جامعة هارفارد حول ما إذا كان مستعداً لتقديم محاضرة ويليام جيمس في الخريف أو الربيع المقبل (Kaplan in LW 10)، على أن يكون اختيار عنوان المحاضرة عائداً له تماماً. قبل ديوي بالعرض وهو في الحادية والسبعين من عمره وقد تقاعد مؤخراً، واختار أن يحاول تناول موضوع الجماليات. هذا موضوع جديد بالنسبة له، نظريّاً وفلسفيّاً. لكنّه أوضح أنّ اختياره هذا يعود إلى النقص في التوجه نحو الفن المبني على نظرية الخبرة. أُلقيت المحاضرات في ربيع 1931، ثم أعيد العمل عليها ونُشرت تحت عنوان "الفنُّ خبرةً" في عام 1934.

إن انشغال ديوي بالجانب الجمالي للخبرة يأتي نسبياً في وقت متأخر من حياته المهنية، وتجربته الشخصيّة مع الفنّ محدودة وانتقائيّة للغاية. وظهر اهتمامه بالفنون الجميلة من خلال تعارفه وصداقته بألفريد بارنز، صاحب المصنع وجامع التحف الفنيّة. كان بارنز مأخوذاً بعمل ديوي "الديمقراطية والتعليم" (1916) لدرجة أنه وزّع هذا العمل على موظّفيه وقدّم لهم وقتاً إضافيّاً للقراءة خلال ساعات العمل. قام بارنز بتعريف ديوي على الفن التصويري، وزارا معاً عدة متاحف في أمريكا وأوروبا. يتصدّر الاهتمامُ النامي حديثاً بالفنون كتاب "الخبرة والطبيعة"، 1925، على الرغم من أن الجانب الجمالي للخبرة هنا يظهر فقط في بعض الومضات الرائعة من النثر. وبعد خمس سنوات، قرر أن يطوّر الجانب الجماليّ بطريقة منظّمة.

ومع ذلك، قد نجد أنّ تعليقات هارولد دنكل على "الفن خبرة" قد تكون حقيقية: "عند قراءة ديوي، لا يحصل المرء على انطباع المتجوّل المتعطّش في المعارض الفنيّة، أو المتابع الجامح للحفلات الموسيقيّة والأدب. لا يبدو أن أية من الفنون تخاطبه بشكل مباشر" (دنكل 1959، 236). في الواقع لا يشير ديوي إلى الموسيقى، وعندما يتعلق الأمر بالأدب، هناك بعض الإشارات إلى مراجع حول الرومانتيقية. إن الموسيقى والأدب كليهما يتحديان نظرية ديوي الأساسية المتعلقة بالغرض الفنيّ كنتيجة للتحولات والانفعالات والتناغمات بين الملاحظات الفعلية والخبرة السابقة.

في حال قام ديوي بتوسيع آفاقه في عالم الرسم، لكان من الصعب تصور الفن كمثال على التفاعل وتناغم الكائن الحي مع بيئته. من المؤكد أنّ هناك بعض النقص في الخبرة الشحيحة مع الفنّ؛ فخلال تحضيراته لمحاضرات ويليام جيمس، كتب ديوي عن الجهود التي قام بها من أجل "بعض التمكّن من النظريّات الفلسفيّة والنفسيّة المتعارف عليها في الفنّ والذوق الجمالي"، مضيفاً: "تحتمت عليّ قراءة الأدب، وقد كان عبارة عن فوضى في ذهني، وقد يكون فعلاً هكذا. كلّ الآراء -حتى أشدّها تناقضاً- تزدهر".

في الحقيقة، يشير ديوي معظم الوقت إلى نقاد الفن والفنانين، في حين لا توجد أية محاولات جديّة لمقاربة أو مواجهة الفكر الفلسفي الحالي الموجود حول الفن. يكشف الفصل 12 من "الفن خبرة" -الذي يحتوي على محاولة تحديد موقفه من فلسفة الفن- عن خارطة لم تُبتكر لتحديد موقعه من المشهد الفلسفيّ المعروف، بل لوضعه على النقيض من موقفه الخاص. قد يكون هذا سبباً إضافيّاً للاستقبال المتواضع الذي تلقيته نظرياته الجماليّة ضمن فلسفة الفنّ. حتى إنّ أكثر مناصري ديوي تألقاً، ريتشارد رورتي (1979)، اهتم بديوي بطريقة منهجيّة أكثر منها فلسفيّة فنيّة.

هناك غموض حيال الفكرة الأساسية من "الفنّ خبرة"؛ فبالرغم من أنّ العنوان يوحي بأنّ هناك طرحاً لنظرية فنيّة، قد يتساءل المرء ما إذا كان العمل سيكون منطقيّاً بشكل أكبر في حال طرحه كاختبار لمفهومه للخبرة في الفنّ، أو ربما كاستكشاف لمفهوم الخبرة من خلال دراسته للفن. في كلتا الحالتين، يبدو أنّ ديوي يعتقد أنّ طرحه المتعلق بالخبرة الجماليّة قد أثبت صحّته، نظراً لعدم وجود أيّ إشارة للخبرة الجمالية في كتاباته اللاحقة، وبالتأكيد ليس في "الخبرة والتعليم".

اسمحوا لي بإضافة ملاحظة أساسية قصيرة حول "الخبرة والتعليم". لاحظ جاكسون (1998) أنّ تلك الأطروحة هي الأولى والوحيدة التي تربط الخبرة والتعليم في عنوانها، وهذا أمر مفاجئ، كون الخبرة هنا قد اعتُبرت أساساً للتعليم على الأقل. ومن جهة أخرى، من الممكن بسهولة الاتفاق مع جاكسون على أنّه لم يتم إيجاد أي تطوّر منهجي للتعليم يقوم على نظرية الخبرة هنا. وبالتالي، ومن وجهة نظر هذه الدراسة أيضاً، فإن المقارنة مع "الفن خبرة" ليست مباشرة؛ وقد يبدو أن الاعتراضات تتعالى دائماً في حال ظهور تناقض واضح بسبب نقص الشرح الممنهج لمفهوم الخبرة في "الخبرة والتعليم". وعليه، أنا مدرك أنّ التأمل التالي يقف على أسس غير ثابتة، وأنه يجب التوصّل إلى أيّ خلاصات بدرجة ما من التحفظ، وبحذر يتجاوز الحذر الاعتيادي.

الخبرة كوحدة:
أبدأ تحليلي بإعادة بناء المعالم الأساسية لمفهوم ديوي للخبرة. يوضح الفصلان الأول والثاني من كتاب "الفن خبرة" أن الخبرة هي تجربة حياتيّة وإنسانيّة، تمثل أكثر أساليب التكيف تطوراً للكائن الحي مع بيئته. علينا أن نفهم هنا أن التكيف هو عنصر تمييزي للعملية الحياتية وليس مجرد آلية للبقاء أو العيش. هذا أيضاً -من وجهة نظري- هو ما يقترحه مصطلح ديوي "الاندفاع"، والذي ينجم عن المحفزات الرئيسية، والاحتياجات والرغبات – على سبيل المثال "اشتهاء المخلوق الحيّ للطعام". إنّ الاندفاع هنا لا يتعلق بشكل أساسي بمبدأ البقاء، بل بالمعنى الفعليّ للحياة المثيرة للحماس. "إنّ الإنسان منشغل بتحسين الحياة، عوضاً عن العيش فحسب". وبالتالي، لا يجب أن يُفسر التكيف على أنه العملية المُثلى لتكيف الكائن الحي مع البيئة الموجودة فيها وأركانها، ولكن أيضاً كزيادة الانفصال عن بيئة معينة" (Bellmann 2007).

علاوة على ذلك، وعلى النقيض من التكيف في التطور البيولوجي، تُعد الخبرة "تكيفاً ذا غاية"، و"تكيف الوسائل مع الغايات"، وليست تكيف الكائنات في بيئة ما، إنما تكيفها مع بعضها البعض". إن الغاية مبنية على التفاعل والتوازن بين القيام بالفعل واجتيازه. وقد يواجه الاندفاع عقبات في البيئة؛ فتُنشَّط الكائنات الحية، وتتحمل عواقب أفعالها، وعلى هذا الأساس تخضع للتحولات. على عكس بياجيه، لا يتم النظر إلى هذه التحولات على أنها معرفية بحتة، بل لأنها تتضمن جوانب متعددة لعلاقة الكائن الحي مع بيئته، خاصةً العواطف. في صميم مفهوم الاندفاع، قد يبدو أن هناك نظرية حيوية للرغبة الأصليّة نحو التطور والاختلاف، تُذكرنا بالإيروس لدى سيجموند فرويد (1955/1920). كذلك يكون مصدر الاندفاع من الاحتياجات الأساسية للتحولات. إن الكائن البشري يبحث باستمرار عن تحديات مبتكرة وبناءة من جميع الأنواع. أن تحيا يعني أن تتطوّر وتتوسّع، وهذا ما يجعل من الخبرة تجلّياً جوهرياً للحياة.

في الفصل الثالث، يُجمل ديوي السمات الأساسية التي تساهم في تشكّل الخبرة. الفصل يحمل عنوان "تحصيل الخبرة". بإمكان المرء البدء بالاطلاع على هذا المفهوم من خلال "الوحدة". يشير المصطلح إلى بنية الخبرة، حيث يُفهم البنية على كونها "حركة منظمة" للكائن الحي (LW 10، 47). وبالتالي، فإن الخبرة في وجهة نظر ديوي ليست حدثاً عشوائياً أو فوضوياً أو لحظيّاً، بل تظهر كبنية ضمن الزمان والمكان. إنها معقّدة وتتكون من أجزاء مميزة لكن متكاملة، لها بدايات متميزة ونهاية كاملة الاستيفاء والتحقق. نقيض الخبرة إذاً هو الفوضى والركود والعشوائية والاختلال واللامبالاة وفقدان الغاية والتصور.

فيما يتعلق بالبنية، فإن المعايير الأساسية هي التعقيد والتكامل والتحول. يؤكد ديوي بشكل خاص على التكامل ويقارنه بالتتابع الميكانيكي أو الأجزاء غير المتصلة. إن تكامل الأجزاء يعني أن نهاية أحد الأجزاء هي بداية وقاعدة لبناء آخر. وبعبارة أخرى، فإن تطور كلّ جزء ينبع مما سبقه. إن التكامل الداخليّ للأجزاء يتوافق مع التكامل الخارجي. والخبرة هي جزء مكمّل "لتيار الخبرة"، وبالتالي، فهي منظمة مسبقاً وتعتمد على التجربة السابقة، وعلى هذا النحو فهي دوماً إعادة بناء وتحويل للخبرة السابقة.

يجب أن ينظر إلى تكامل الخبرة في ضوء تعقيدها ونطاقها. وهذا هو ما يعنيه النمو بشكل أساسي. إن منطق الخبرة هو زيادة التعقيد والنطاق، وبالتالي طرح تحديات جديدة تتعلق بالتكامل. بأخذ التعقيد وتوسيع النطاق بعين الاعتبار، يميز ديوي بين الخبرة العادية والخبرة المكتملة، وهذه الأخيرة مرتبطة بالتعقيد وعمق العلاقة بين الكائن الحي وعالمه والتي تنطوي على جميع الكائنات الحية. وبالتالي تُعد الخبرة حيوية ووجودية. إن الخبرة العادية من جهة أخرى هي جزئية ومحدودة وأداتية، كشرب كوب من الماء عند العطش.

إن ما يجعل الأجزاء متماسكة، وما يوجّه ويسند الدافعية ويقودها -أي ما يشكّل الخبرة كوحدة ويجعلها متميزة ومتكاملة في نفس الوقت مع "تيار الخبرة"- هو "الميزة المتفشّية المنفردة" (LW 5، 247). يمكن القول إن تلك السمة النوعية المنتشرة هي الأساس لتنظيم الخبرة وتنشيطها، وهي بمثابة تعريف للخبرة. يشير ديوي إلى ذلك كونه عنصر ضبط للعواطف، وطرح ذلك في "الفن خبرة". ضمن سلسلة من الاستعارات المستمدة من الحياة العضوية، والصناعة المعالجة والمغناطيسية (Hohr 2010)، يصور ديوي قوة تحول العواطف التي تنتقل وتنتقي -بفاعلية أفضل مما لو كانت متعمدة- المواد الخام المناسبة من المراقبة المستمرة والخبرة السابقة، مستخلصة من "مطلب متعدد الأهداف، ومفصولاً مكانياً وعددياً"، كما وتُعالج وتُجمّع ما يمكن أن يشكّل قيمة ما في أي خبرة جديدة. لذا، فإن العاطفة هي قوة الحركة والتعزيز والتوجيه والاختيار والتجميع في الخبرة. إن قلنا إنّ السمة النوعية المنتشرة هي مشاعر عامة أو مشاعر خلفية عاطفية مقابل الخبرة، سيكون تعبيراً متواضعاً وأقل ما يُقال.

يمكن للمرء أن يتساءل لماذا اختار ديوي في هذا الشرح عدم استخدام مصطلح "الحالة" الذي قام بتطويره في "كيف نفكر" (LW 8). على الرغم من أن "الحالة" هنا تشير إلى التفكير والتحقق، والأمر ينطبق هنا بالتأكيد على الخبرة ككل أيضاً. إن الحالة إذاً ستعني ترقباً كليّاً للخبرة، وتوقّع الكلّ والأجزاء وتعريفهما لبعضهما. ووحدة الخبرة ليست شيئاً يظهر فجأة في لحظة الاستيفاء والتحقق، لكنها حاضرة كقوة تنظيمية، كتنامي الإدراك التام بالحق منذ البداية. صحيح أن الخبرة مفتوحة، ولكن قد لا يكون هناك أي نوع من التوجهات دون الحالة، دون ترقب ما هو شمولي.

في حين يتم التأكيد على مفهوم الترقب في "الفن خبرة"، إلا أن مفهوم الحالة قد يكون حلقة ربط قوية جداً متعلقة به. المشكلة هنا في مفهوم العاطفة الذي يبدو أنه ينطوي على درجة عالية من الذكاء مع حصول كل التنقيب والاختيار والمتابعة والتنظيم والترتيب والتوجيه المستمر.

إن السمات النوعية لبنية الخبرة هي تحولها وتعريفها التقدميّان... "الخبرة لا تعرف إلى أين تذهب" (LW 10، 66). لم يتم تعريف الهدف النهائي للخبرة منذ البداية، لكنها تظهر وتكشف مسارها وتصبح أكثر وضوحاً وتحديداً. إن الحركة الدائرية بين التوقع الشمولي والتتابع الناتج وتعريف الأجزاء في الخبرة فيها تشبيه مدهش للظواهر القارية والتأويلية (Engler 1992).

لا تنحصر الوحدة على كونها "عاطفية أو عملية أو حتى فكرية بحد ذاتها" (LW 10، 44)، إذ تحدد هذه المصطلحات "مراحل" الخبرة. وهي متواجدة في أي خبرة، على الرغم من اختلاف تركيزها. هذا هو في الواقع إحدى السمات الحاسمة لهذا المفهوم من الخبرة؛ لأنه يدمج العمل والعاطفة والإدراك ويؤكد أصول توحّدها مع عملية الحياة.

إلى الآن، تنتقل حجة ديوي إلى مستوى التفكير الأنثروبولوجي. إذ تُفهم الخبرة هنا على أنها مستوى تجربة جديد وطريقة لتكيف الكائن الحي مع بيئته. إنه مرادف "للحياة" البشرية، وفيما يتعلق بالثقافة، تكون جميع توجهات الفعل مرتبطة بالتكيف الثقافي وبالتالي بالتعريف التجريبي.

إن أخذنا بالاعتبار الدور المركزي للخبرة في "الخبرة والتعليم"، يصبح واضحاً وضرورياً. يصبح التعليم جزءاً مُلحاً من عملية التكيف الثقافي التي عرّفها ديوي بأنها خبرة. وبالتالي، لا يوجد جدال أو مفر من أن التعليم يجب أن يعتمد على نظرية الخبرة. كذلك وفيما يتعلق بالتعليم، يصبح من الضروري تضييق التعريف "التعليمي". وقد لا يكون كافياً تعريف التجربة التعليمية كخبرة تؤدي إلى النمو وتوسيع نطاق الخبرة الإضافية، لأن هذا قد يُعد معياراً لصلاحية الثقافة بشكل عام. يسمح المعيار بالتمييز بين السمات الثقافية التي تعمل على تعزيز التميز والتكامل، والميزات التي لا تعيق التنمية، لكنه لا يحدد الدور المحدد للتعليم في مجال التنمية الثقافية.

من الواضح أن هذا الافتقار إلى التمييز الواضح يجعل الإجابة على سؤالنا "إلى أي مدى تعتبر الخبرة التعليمية جمالية" أكثر تعقيداً.

الجودة الجمالية للخبرة:
يميز ديوي بين الجودة الجمالية للخبرة والخبرة الجمالية. في حين أن الجودة الجمالية هي بُعد ضروري لأي خبرة، فإن الخبرة الجمالية هي خلاصة الجودة الجمالية المتمثلة في الفنون الجميلة. ومع ذلك، فإن مفهوم الجودة الجمالية ليس من السهل تحديده بدقة. كتوجه أولي، يمكن القول إن الجودة الجمالية هي مقياس لبنية جودة الخبرة، وقياس مدى اكتمالها ووضوحها وتماسكها. كلما كانت الأجزاء أكثر تماسكاً ووضوحاً، والتي تعيد بناء الخبرة وتحولها، كانت جذورها أكثر عمقاً في بناء الخبرة، وكانت القدرة على "هضمها" أو امتصاصها أسرع، وبالتالي أكثر جمالية.

أعتقد أن هذا يعود لقراءة جاكسون (1998)، حيث تُجسّد الخبرة الجمالية كونها سلسلة ثورات حديثة في الإدراك الحسي وتطلعات جديدة في العالم. هذا المفهوم من الجمالية يذكر المرء بإحدى البرامج الألمانية الفنية الرومانسية مثل نوفاليس الذي طالب بعالمٍ رومانسي: "يجب أن يكون العالم رومانسياً". وهنا يمكن للمرء أن يجد المعنى الأصلي للممكنات النوعية: من خلال إعطاء تعريفاً محدداً للعموم، وظهوراً غامضاً للعيان؛ والارتقاء بما هو غير معروف إلى ما هو معروف. ومن وهم اللانهاية إلى المحدودية. كما أقوم بوصفها" (نوفاليس، المعروف باسم فريدريش فون هاردنبرغ).

في الواقع يدعو ديوي أيضاً الجمالية على أنها "تطور واضح ومكثف للسمات التي تنتمي لكل خبرة طبيعية متكاملة" (LW 10، 53). في الحالات التي يناقشها جاكسون، يبدو أن الوقت قد حان لأن يحبس العالم أنفاسه عندما تزول الخبرة؛ لا شيء سيبقى على حاله كما كان في أي وقت مضى. في العمق، تُقارن الخبرة الجمالية بالخبرة الدينية، ولا يمكن تمييزها عنها ربما إلا من خلال نقص التركيز على التكامل الشخصي وجميع الارتباطات الأخرى. لو اعتُبر معيار الجودة الهيكلية هو المعيار الوحيد للجودة الجمالية، لكان من السهل فهم سبب عدم اعتباره ضمن سياق التعليم. إذا أخذنا بالاعتبار الأمثلة التي ذكرها جاكسون، نجد أننا نتحدث عن لحظات رائعة في حياة المرء، في حين أن المدرسة هي عملية عمل مطرد تمتد على مدى سنوات. ومع ذلك، يقدم ديوي معايير أخرى للجودة الجمالية كذلك عندما يقول إنه في الخبرة الجمالية "لا تُستخدم المادة كجسر للوصول إلى خبرة أبعد، ولكن كزيادة لفرصة تفرد الخبرة الحالية" (LW 10، 128). وبالتالي، فإن جمالية التجربة تعود إلى المواقف النادرة ومدى شدة تجاهل الإمكانات المحتملة للخبرة المتاحة.

ومن هذا التوجه، تتجه الجمالية نحو منحى أرسطو "فرونيسيس" (الحكمة العملية)؛ في هذا السياق، قد يرى المرء المصطلح "المرحلة الجمالية" (LW 15، 98)، أي الفورية أو الآنية التي تتزامن مع تقدير "هنا والآن"؛ إنه جانب جمالي يحوّل الحدث إلى تجربة؛ هنا تعيش التجربة حالة التجربة.

يستخدم ديوي هذه المعايير ليسلط الضوء على الفارق بين الفنون الجميلة والعلوم؛ فالعلم ينتهي بكونه "وديعة تقتصر ذاتياً على الفرد" (LW 10، 61)، وهي نتيجة قد تكون منفصلة عن العملية التي نشأت منها، وتُستخدم كأداة أو مادة في عمل لاحق. لدى الجمالية "نهاية ممتعة" (LW 1، 71). ولهذا السبب ينكر ديوي أن المسميات العلمية والعملية قد تجسّد سمات الخبرة الجمالية.

على الرغم من أن هذه الأنشطة تحتاج إلى جودة جمالية لترتقي إلى الخبرة، إلا أنها ليست متميزة بجماليتها كونها تهيمن عليها دوافع فاعلة. لقد تم تنفيذها بشكل أساسي للمنفعة المستقبلية، وإلى هذا المدى تُعد مخدرة (anesthetic). من وجهة النظر تلك، يُعد الحدث خبرة إلى المدى الذي تتفتح فيه الصفات النادرة لحدث ما في الوقت الحاضر ويجعله ذا معنى. حينها تصبح البنى النادرة أعلاه مجرد شرط مسبق للجمالية، في حين ترتبط الخبرة بشكل كلي بمدى ندرة "الحال والآنية" (Gadamer 1986)، أي الأداء الذي يؤديه من تلقاء نفسه، ويتناقض مع "فراغ" وقت الأداء، وذلك من خلال إعادة تكرار النمط الروتيني ومن خلال الفعل الأدائي الذي يمكن الاستفادة منه في المستقبل.

إن الظواهر والإيماءات واضحة. على سبيل المثال، يمكن أن يجادل المرء أنه في "الحقيقة والطريقة" لغادامر (1975)، تُحفزها الرغبة في تفرد الإنسان لفهم ما هو عكس الرغبة في تكرار النمط وهيمنة العلوم. إن عنوانها قد يكون كذلك: الحقيقة دون طريقة.

ومع ذلك، وفي محاولة فهم مغايرة، قد يتم تعريف الجمالية على أنها مرحلة استكمالية للخبرة يطلق عليها ديوي "اللحظة السحرية من التأمل" (LW 1، 250). هذا الجانب يصبح أيضاً أكثر وضوحاً عند المقارنة بين الفن والعلوم؛ فبينما تتميز العلوم، من وجهة نظر ديوي، بتأكيدها على المشكلات من خلال البحث باهتمام عن أسئلة يجب الإجابة عليها، على الرغم من الاهتمام الواضح بالحلول أيضاً، يتميز الفن بتركيزه على الحلول، من خلال تقدير التوازن المسترد بين الكائنات الحية والبيئة عند اكتمال الخبرة. في المرحلة الجمالية، حينئذٍ ينسجم المرء وفي لحظات عابرة مع عالمه. هذا الدافع كان معروفاً منذ عصر الرومانسية؛ على سبيل المثال، شيلر (1967، 15) حيث يُصوّر الجمالية على أنها رمز حسي للممكنات الملائمة بين ما هو حسي وما هو صائب. وفقاً لديوي، تفترض هذه النظرية السمات الطبيعية حين تبرز الجماليات كرمز للانسجام الأساسي بين الكائن الحي والبيئة، وبين المرء والعالم.

ربما يمكن تلخيص الجوانب المتعددة للجودة الجمالية باستخدام مصطلح "الفورية"؛ قدم توماس ألكسندر (1987) شرحاً تفصيلياً لهذه النوعية. إن سوء الفهم الوحيد تم التصدي له مسبقاً من قبل ديوي (LW 10) عندما أشار إلى أن الفورية لا تعني غياب وساطة الفكر واللغة. على العكس من ذلك، فإن الخبرة السابقة هي الشرط المسبق للخبرة وتتوسطها اللغة. وبالتالي، إن فورية الخبرة هي فورية الحالية.

ينبغي للمرء أيضاً أن يضع في اعتباره أن ديوي قد أشار بدقة إلى أن الفورية والوسيلة ليستا جانبين متنافيين للفعل. إن الغاية من وسيلة الفعل لا تمنع كونها ذات مغزى جوهري، والعكس صحيح.

بالرغم من وجود درجة من المنافسة بين هذه الجوانب، وقد تختلف الاستنتاجات، إلا أنه لا يوجد تناقض بينهما. ومع ذلك، هذه الجوانب هي أيضاً مستقلة عن بعضها البعض. من ناحية أخرى، هناك إجراءات عملية بحتة يطلق عليها ديوي "الروتينية" وهي نقيض الخبرات. من ناحية أخرى، هناك خبرات تتسم بالاكتفاء الذاتي دون أي انتفاع من الوسائل، كأعمال الفنون الجميلة.

مع وجود معيار يتعلق بالفورية، يبدو أننا نجد أنفسنا في خضم التعليم التقدمي؛ فمن وجهة نظر ديوي، فهو يتميز بتحريك التركيز الرئيسي من الماضي إلى المستقبل، والتأكيد على إعادة اعتبار التعليم التقليدي إلى الوقت الحاضر وإلى مكان بنيوي. يعني التعليم -أو قد ينبغي أن يعني- أولاً وقبل كل شيء العيش في كل ما هو آني وحالي. يسعى التعليم التقدمي لإعادة استيعاب المعنى في الحياة الآنية للتلاميذ. إن الماضي والمستقبل ليسا منفصلين لكنهما مهمان بشكل ثانوي. على الرغم من هذا التناغم المتميز بين الجماليات والتعليم، لا يذكر ديوي الجودة الجمالية في تأملاته حول التعليم التقدمي.

قد يعود السبب إلى مفهوم الفردية واستخلاص النهاية. ففي "الفن خبرة" يظهر مفهوم الخبرة عندما تبدأ هذه الجوانب بالتحكم، وبعبارة أخرى، عندما يتم التقليل من الأداء الفاعل بشكل كلي ليصبح روتيناً أعمى، كلما استقل بشكل تام، كلما التف بشكل مثالي حول الحدث. إنه ليس تجريبياً فقط، بل يمثل الخبرة "المكتملة" و"البحتة". إنها الخبرة المُثلى، وتشكل تقديراً للعيش بشكل مطلق ونقي للآني والحالي. إن نقص اكتمال أي خبرة متوفرة وعدم اعتبارها خبرة جمالية من جهة أخرى يعود إلى الوسيلة المرتبطة بها، كون الفائدة لا تعم في المستقبل والاستفادة من التحيز الناشئ للجسم والاستشعار، الأمر الذي يضع ديوي في مستوى أي متدرب يتم تعليمه وتدريبه على التضحية بالحاضر من أجل المستقبل، وتعليق الحياة من أجل وعود مكسورة بمكافأة لا تأتي أبداً.

لكن بالنسبة لنظرية التعليم، قد يشكّل هذا المفهوم للخبرة أشكالاً؛ على الرغم من كونه مرغوباً بشدة وربما لا مفر من أن يتوقف التلاميذ عن العيش دونه -قد يعذر القارئ هذا التهور- فعند دخول المدرسة، وبالتأكيد يكون التعليم من أجل منفعة الفردية والمجتمعية والفائدة المستقبلية.

إن سبب وجود التعليم هو التعلّم والتأقلم، وبالتالي، من حيث التعريف، هو انجراف ممنهج عن الخبرة المثالية. إذا اعتبرنا وجهة النظر تلك، نجد أنه من المعقول عدم وجود الجمالية بشكل بارز في تأملات ديوي حول التعليم. فالتعليم من خلال تعريفه قد يمثل خبرة عادية مجزأة، ومن الممكن ولا ينبغي أبداً أن يطمح إلى الخبرة الجمالية. لا يمكن أن يستهدف التعليم التفرد الحصري للخبرة لأنه بذلك سوف يستبعد التعلّم، وأدوات التحكم للمواقف الرئيسية المستقبلية. من الممكن الملاحظة هنا أن الإيحاء الفوري لا يتعارض مع الوسائل والتعلّم.

مع ذلك، فإن الفورية والبنى الفنية ضروريان بالضرورة كشرطين مسبقين للعمل المدرسي التجريبي. فمن ناحية، لن يكون هناك أية مكاسب للوسائل دون أو خارج الخبرة، ومن ناحية أخرى، يتم إنشاء العلاقة التعليمية من خلال وعبر الاهتمام بمدى فائدة الوسائل أو الأدوات التي قد تهدد الفورية. هل أدرك ديوي وعالج هذا التناقض الأساسي للخبرة التعليمية واقترح حلاً ممكناً؟ إن العديد من الباحثين المهتمين بالتعليم كانوا قد أشاروا إلى نظرية ديوي في الخبرة التي تسلط الضوء على الخبرة الجمالية للعمل المدرسي.

التعبير كوسيلة للخبرة:
تصبح المشكلة أكثر تعقيداً عند النظر في نظرية ديوي للمعنى. في "الفن الخبرة"، يقدم شرحاً عن التمايز بين التعبير والإفادة (statement) اللذين يعملان في الوقت نفسه على تمييز الخبرة.

"تُحدد الإفادة (statement) الظروف التي يمكن أن تحدث فيها الخبرة لغرضٍ ما أو موقف قد يحدث" (LW 10، 90). إنها تحمل معنى تماماً كاللافتات التي تحمل معاني محددة مثل الإشارة إلى الأماكن التي قد تحدث فيها خبرةٍ ما. فهي لا تُعتبر بحد ذاتها وسيطاً للخبرة لأنها تعتمد على الكلمات والإشارات والرموز التي لا تحتوي على "نوعية متميزة خاصة بها" (LW 10، 45). إن مرجعها هو مرجع خارجي بشكل كلي، في حين أن التقرير يؤدي إلى الخبرة والتعبير "كتشكيلة واحدة" (LW 10، 91).

حرص ديوي على التمييز بين مفهومه حول التعبير ومفهومه حول العاطفية. فالتعبير ليس بتفجير العاطفة، وليس "تفريغاً عاطفياً"، بل هو تعبير عن الغايات. على سبيل المثال، يستخدم ديوي بكاء رضيع. في البداية يكون البكاء مجرد "تظاهر"، كتعبير عن عدم الراحة، ولكن في اللحظة التي يدرك فيها الرضيع أن ذلك البكاء قد يتسبب في تغيير مرغوب، يصبح "وسيلة ووسيطاً"، وبالتالي يصبح تعبيراً عن غاية ما. من هنا، إن تنوع اللغات التي تتطور تُعد أدوات للتعبير، كما أنها تحدد الفعل والغرض اللذين هما بالأصل متصلين. وبالنسبة للفعل، فإن التعبير يكون له معنى متأصلاً وله تعريف بمعنى التملك. مثل هذا الغرض لا يحتاج إلى "رمز أو عرف أو تفسير" (LW 10، 89). إنه يتحكم بالعالم؛ "كحديقة الزهور".

إن التعبير ضمن هذا السياق ليس مجرد ناقل للخبرة المماثلة كشاحنة محمّلة ببضائع متنوعة أو كامرأة تصطحب طفلاً (LW 10، 122). وبالتالي، فإن العلاقة بين التعبير والخبرة فريدة من نوعها، وحميمية، ومتأصلة، وتوليدية. في الواقع، التعبير ليس مجرد شيء متغير في الحياة اليومية، بل يمثل بطريقة ما حقيقة عظمى كونه بُني ونُظم من أجل تقديم العطاء والتسهيلات وإتاحة الفرصة للدعوة نحو تواصل أفضل وأكثر وضوحاً وتركيزاً نحو خبرة مكثفة.

قد يصبح التمييز بين الإفادة (statement) والتعبير وعواقبهما أوضح عندما يقارن ديوي الفنون الجميلة بالنشاط الفكري: "إن مادة الفنون الجميلة تتكون من صفات نوعية، في حين أن الخبرة تتضمن استخلاصات فكرية تشير أو ترمز إلى عدم وجود نوعية ذاتية خاصة بها" (LW 10، 45). من الواضح أن ديوي يعتمد هنا على شيء كالخبرة الفكرية والفن الفكري. إن التجاوز الحاد للإفادة والتعبير وما بين الرمز والشكل على حد سواء يجعل من الصعب فهم كيفية احتواء المادة على إشارات ورموز قد تزيد من الخبرة. وبالمثل، على الرغم من أنه يعتقد أن القصيدة تعمل ضمن أبعاد التجربة في حد ذاتها، إلا أنه لا يشرح كيف أن مادة القصيدة المكونة من عبارات وكلمات يمكن أن تمتلك صفات مختلفة. فهو يدّعي أن منطق القصيدة هو "مقترح سامٍ"، ولكن كيف يمكن لهذا المنطق أن يتكون من كلمات وبيانات... لا يزال غير واضح وغير قابل للتصديق.

لا يُعد التعبير وسيطاً حصرياً للتجربة فقط، بل هو أيضاً وسيطاً حصرياً للتواصل. تبقى العلامات والرموز والكلمات مهمة بالطبع لأنها تقدم معلومات وتشير إلى الأماكن التي قد تحدث فيها الخبرة. ولكن بسبب شح المراجع الخارجية، لا يمكن توصيل الخبرة. إن التواصل الحقيقي، على سبيل المثال، يجعل الخبرة مشتركة ومتبادلة، وهذا الأمر ممكن من خلال التعبير، لأن التعبير يعمل ضمن أبعاد الخبرة بحد ذاتها. هذا يمثل المؤهلات الحاسمة في عمل ديوي "دور التواصل" التي كشفت عنها بيستا (2006) في "الديمقراطية والتعليم" (1916، MW 9)؛ فهو يوضح المشاركة ضمن الأنشطة المشتركة المرتبطة بالتواصل كتعبير.

إذا أخذنا مصطلح الفردية بالاعتبار، قد يكون للمرء بعض الشكوك حول مدى قوة التعبير على التواصل. في حقيقة الأمر، قام ديوي بتطويق الفكرة من التفرد إلى النقطة التي يرى فيها أنه سيكون من غير المعقول أن يُسأل الفنان عن غاية الفن. ولشرح عدم جدوى سؤال كهذا، يجب على المرء أن يتوقع أن ديوي سيقوم بطرح مراجع خارجية بحتة لبياناته. وما هو مثير للدهشة أن هذا ليس سبباً كافياً. فبدلاً من ذلك، يفسر أن الفنان سيختبر الخلق بشكل مختلف في كل مرة يرى فيها ذلك. وبالتالي، فإن كل فعل من أفعال الإدراك هو فعل متفرد للخبرة. هل من الممكن أن تكون تبعات تلك البيانات تشير إلى عدم وجود تواصل في الخبرة ولكن فقط للمعلومات؟ يمكننا تقاسم المعلومات حول المواقع التي تحدث فيها الخبرة، حيث لا تكون ذاتية بل متفردة وتتجاوز أية محاولات لجعلها مشتركة.

في كلتا الحالتين، إن التمييز بين البيان والتعبير قد يشكل خطراً بأن التعليم ليس فقط سوف ينشئ خبرة متجزئة وغير مكتملة، بل لن يشكّل خبرة على الإطلاق.

يجادل ديوي بإعادة تجنيس (re-naturalisation) التعليم، وهو أمر يستحق الثناء إلى درجة ما وقد يكون ممكناً. إن التعليم يعتمد بالأساس على الكلمات والصور وليس على الأشياء بحد ذاتها. وهذا ليس ناتجاً عن عدم كفاءته أو سوء استخدام المعاني أو التعليم المدرسي غير المدروس، ولكن -إذا سُمح لنا القول- إنه منطق المؤسسة في إلغاء التجنس من عمليات التعلّم.

خلاصة:
هل المسار نحو الخبرة في الحياة اليومية للتلاميذ قد يكون باتجاه "التنظيم على أساس الموضوع" كما أوصى "الفن والتعليم"، وليس المسار الذي ينقلنا من مملكة الخبرة إلى مملكة لوحات الإعلانات؟

في الحقيقة، هناك تحول غريب يظهر خلال التمييز بين التعبير والبيان (statement). يبدو أن المرء قد يحتاج إلى المعرفة (من لوحات الإعلانات) ليكون قادراً على الحصول على الخبرة، إلا إذا تعثر بها بالصدفة. في حين، وبعد خوض الخبرة والحصول عليها، يبدو من غير المبرر الاهتمام بالمعرفة المكتسبة مسبقاً (من لوحات الإعلانات).

في ضوء الخطر القائم على عدم أهمية شيء كالخبرة التعليمية، فمن المدهش أن ديوي في "الخبرة والتعليم" لا يعالج مسألة التعبير على الإطلاق. من ناحية أخرى، من غير المفهوم إلى حد بعيد تجاهل النظرية التي تناولت هذا المفهوم حتى الآن، واعتبارها أنها زلة لسان وُضعت على فصلين رئيسيين في "الفن كخبرة". ومع ذلك، قد اختفت مشكلة المعنى في "الخبرة والتعليم" كما كان التركيز على الفورية والوحدة. لا يوجد تمييز بين الخبرة المجزأة أو المكتملة، ولا تمييز بين التعبير والبيان (statement)، ولا توجد مشكلة في التواصل على الإطلاق.

إلا أن الانعكاسات البنيوية في "الفن والخبرة" تُظهر أنه لا تزال هناك تناقضات بين غرض الخبرة مقابل عدم وجود هدف في النشاط العشوائي، والتناقض بين درجة المجال المتاح، سواء تفتحت التجربة أو ضاقت أو حتى أعاقت الخبرة المستقبلية.

قد لا يكون هناك عدم اتساق بين مفهومي الخبرة في "الفن خبرة" و"الخبرة والتعليم". ومع ذلك، هناك ثغرات خطيرة في مؤسسة التعليم. وُجدت مشكلة واحدة في التمييز بين التعبير والبيان ونقص الاستجابة بين اختلافات مفاهيم الخبرة، وأخرى في عدم وجود المفاهيم التحليلية التي يمكن أن تلقي الضوء على طبيعة التعلم المؤسساتي، وعلى ما قد يحدث عندما يتم رفع الخبرات من سياقها الطبيعي ونقلها إلى بيئة المدرسة. في "الخبرة والتعليم"، يبدو أن الخبرة تتقلص إلى التحول من البنية المعرفية التي قد تكون موجودة بالفعل في مفهوم التأسيس للفعل والفعل الحاصل. إن الفعل الحاصل بعد كل شيء يقوم على إدراك العلاقة السببية بين العمل ونتائجه.

 

مراجع وهوامش


 

PESGB Annual Conference 2012
30 Mar to 01 Apr 2012
New College, Oxford
Philosophy of Education Society of Great Britain

المراجع:

ALEXANDER, THOMAS M. (1987) John Dewey’s theory of art, experience, and nature. The horizons of feeling (Albany, New York, State University of New York Press)

BELLMANN, JOHANNES (2007) John Deweys naturalistische Pädagogik. Argumentationskontexte, Traditionslinien (Paderborn, Schönigh Verlag)

BIESTA, GERT (2006) “Of all affairs, communication is the most wonderful”: The communicative Turn in Dewey’s Democracy and Education, in D. T. HANSEN (ed.) John Dewey and our Educational Prospect. A critical engagement with Dewey’s Democracy and Education (State University of New York Press)

DEWEY, JOHN (1983) The Collected Works of John Dewey. Ed. by J. A. Boydston (Carbondale and Edwardsville Southern Illinois Univ. Press)

(1903) Psychological Method in Ethics, Middle Works, 1903-1906, Vol. 3

(1912-13) Contributions to a Cyclopedia of Education, Middle Works, 1912-14, Vol.7

(1916) Democracy and Education, Middle Works, 1899-1924, Vol. 8

(1921-22) Syllabus: Types of Philosophic Thought, Middle Works, 1921-22, Vol. 13

(1925) Experience and Nature, Later Works, 1935-53, Vol. 1

(1929) The Quest for Certainty, Later Works, 1929, Vol. 4

(1930) Qualitative thought, Later Works, 1929-30, Vol. 5

(1933) How we think, Later Works, 1933, Vol. 8

(1934) Art as Experience, Later Works, 1935-53, Vol. 10

(1938) Experience and Education, Later Works, 1938-39, Vol. 13

(1948) A Comment on the Foregoing Criticisms, Later Works, 1942-48, Vol. 15

DUNKEL, HAROLD B. (1959) Dewey and the Fine Arts, School Review, 67, pp. 229-245

ENGLER, ULRICH (1992) Kritik der Erfahrung: die Bedeutung der ästhetischen Erfahrung in der Philosophie John Deweys, (Würzburg, Königshausen und Neumann)

GADAMER, HANS-GEORG (1986) Truth and method, (London, Sheed & Ward)

GADAMER, HANS-GEORG (1986) The relevance of the beautiful and other essays, (Cambridge, Cambridge University Press)

FREUD, SIGMUND (1955/1920) Beyond the pleasure principle; Group psychology, and other works, The standard edition of the complete psychological works of Sigmund Freud, translated under the general editorship of James Strachey, Vol. 18, (London, Hogarth)

HOHR, HANSJÖRG (2009) The Role of Emotion in Experience – comment on John Dewey’s Art as Experience, in: A.-L. ØSTERN AND H. KAIHOVIRTA-ROSVIK (eds.) Arts Education and Beyond (Wasa, Faculty of Education of Åbo Akademi University)

JACKSON, PHILIP W. (1998) John Dewey and the lessons of art, (New Haven, Yale University Press)

NOVALIS (1798) Logologische Fragmente, Vorarbeiten. Fragment 105, in: P. KLUCKHOHN AND R. SAMUEL (eds.) Novalis, Schriften. Die Werke Friedrich von Hardenbergs. (Stuttgart, Kohlhammer Verlag)

RORTY, RICHARD (1979) Philosophy and the mirror of nature (Princeton. Princeton University Press)

SCHILLER, FRIEDRICH (1967) On the Aesthetic Education of Man in a Series of Letters In: E. M. WILKINSON AND L. A. WILLOUGHBY (eds.) (Oxford: Clarendon Press)

SMITH, C.M. (1971) The Aesthetics of John Dewey and Aesthetic Education, Educational Theory, 21.2, pp.131-145